وادي سوف تاريخ وحضارة

أصل تسمية وادي سوف:
وادي سوف مركبة من كلمتين "وادي" و"سوف"، ويعطي هذا الاسم عدة دلالات تتوافق مع طبيعة المنطقة وخصائصها الاجتماعية والتاريخية.
 
دلالات كلمة الوادي:
- ومعناه وادي الماء الذي كان يجري قديما في شمال شرق سوف، وهو نهر صحراوي قديم غطي مجراه الآن بالرمال، وقد ذكر العوامر أن قبيلة "طرود" العربية لما قدمت للمنطقة في حدود 690هـ/ 1292م أطلقوا عليه اسم الوادي، والذي استمر في الجريان حتى القرن 8هـ/ 14م.
- وقيل أن قبيلة طرود لما دخلت هذه الأرض وشاهدت كيف تسوق الرياح التراب في هذه المنطقة،قالوا: إن تراب هذا المحل كالوادي في الجريان لا ينقطع.
-  كما أن أهل الوادي يتميزون بالنشاط والحيوية، وتتسم حياتهم بالتنقل للتجارة في سفر دائم، فشبهوا بجريان الماء في محله الذي يدعى الوادي.
 
دلالات كلمة سوف:
- يربط بعض الباحثين بين سوف وقبيلة مسوفة التارقية البربرية، وما ذكره ابن خلدون، يفيد أن هذه القبيلة مرت بهذه الأرض وفعلت فيها شيئا، فسميت بها، وتوجد الآن بعض المواقع القريبة من بلاد التوارق تحمل اسم سوف أو أسوف و"وادي أسوف" تقع جنوب عين صالح.
- وتنسب إلى كلمة "السيوف" وأصلها كلمة سيف أي "السيف القاطع" وأطلقت على الكثبان الرملية ذات القمم الحادة الشبيهة بالسيف.
- لها دلالة جغرافية لارتباطها ببعض الخصائص الطبيعية للمنطقة، ففي اللغة العربية نجد كلمة "السوفة والسائفة" وهي الأرض بين الرمل والجلد، وعندما تثير الريح الرمل تدعى "المسفسفة" وهذا ما جعل أهل سوف يطلقون على الرمل "السافي".
- وقيل نسبة إلى "الصوف" لأن أهلها منذ القدم كانوا يلبسون الصوف، وقد كانت مستقرا للعبّاد من أهل التصوف يقصدونها لهدوئها، إضافة إلى أنها كانت موطنا لرجل صاحب علم وحكمة يدعى "ذا السوف" فنسبت إليه.
وأول من ذكره بهذا الجمع "وادي سوف" هو الرحالة الأغواطي في حدود 1829، وانتشر على يد الفرنسيين بعد دخولهم للمنطقة.
 
وادي سوف ماقبل التاريخ:
منذ آلاف الملايين من السنين، كانت منطقة وادي سوف تنتمي جيولوجيا إلى الكتلة القديمة البلورية التي تكونت أثناء العصور الأولى من تاريخ الأرض الجيولوجي، وتتألف هذه الكتلة القديمة من الجرانيت والنيس والميكاشيست والكوارتزيت، وبعد تعرض سلاسلها الجبلية للتعرية اجتاحتها مياه البحار القديمة، فكادت تغمر كامل الرقعة الصحراوية الحالية، ولكن انحسرت المياه أثناء العصر الفحمي. وأثناء عصر الأيوسين(بدء الحياة  الحديثة) خلال الزمن الجيولوجي الثالث تعرضت الصحراء لعوامل التعرية الجوية التي أثرت على تضاريسها فطبعتها بطابعها المميز الحالي. وأهم البراهين الدالة على وجود مظاهر الحياة بالصحراء في العصور القديمة:
- وجود الماء والأعشاب الذي وفر أسباب الحياة لعيش الحيوانات مثل فرس الماء والزرافة والفيل، وقد عثر في عام 1957 في شرق حاسي خليفة على هيكل عظمي لفيل الماموث في حالة جيدة.
- وجود غطاء نباتي كثيف في الصحراء بصفة عامة، ويؤكد ابن خلدون في بعض العصور أنهم كانوا يستظلون في ظل الأشجار عند تنقلاتهم من طرابلس إلى الزيبان، ولعل حرق الكاهنة لتلك المناطق إبان الفتح الاسلامي يشير إلى ذلك.
وما يشهد على العصر الحجري في سوف وجود الصوان المسنون والأدوات المختلفة الأنواع والأحجام كرؤوس السهام المصنوعة بدقة ومن مختلف العصور.
وفي 2000 ق.م أخذت المنطقة الهيئة التي نعرفها بها الآن من حيث المناخ باختفاء بعض النباتات والحيوانات ماعدا الجمل، الذي بقي يجوب المنطقة طولا وعرضا.
 
 الأمازيغ في وادي سوف:
إن ظهور البربر "الأمازيغ" تحدد تاريخيا بنحو 2600 قبل الميلاد، حيث عاشوا في الشمال الافريقي والحدود المتاخمة للصحراء، وقد كان يعيش في الجنوب الشرقي الليبيون الذين تحولوا بمرور الزمن إلى جيتولين، ويضيف إليهم المؤرخون قبائل الزيفون"Ziphones" والافوراس "Iforaces"وماسوفا "Massoufa" ،إضافة إلى شعب الغرامانت الذي عاش في شمال شرق الصحراء حيث أسس مملكة "غراما" (غدامس) بداية من الأراضي الطرابلسية.
وقد كان لقبيلة زناتة الانتشار الواسع في جنوب الصحراء المغربية، وهم معروفون بالبداوة والترحال يعتمدون في عيشهم على سكن الخيام واتخاذ الإبل، وقد شيد الزناتيون في سوف عدة مساكن منها الجردانية والبليدة وتكسبت القديمة، وبعد رحيلهم في بداية القرن 15م بقيت بعض آثارهم ومنها التسميات مثل تغزوت، ودريميني وبعض أسماء التمور مثل تكرمست، تفازوين، تافرزايت وغيرهم.
 
الفينيقيون القرطاجيون في سوف:
ينتسب الفنيقيون إلى موطنهم الأصلي فينيقيا ببلاد الشام، وكانوا أمة تمارس التجارة البحرية ووصلوا في ذلك إلى البحر الأبيض المتوسط، فانتشروا في شمال إفريقيا، وأسسوا به نحو 300 مركز تجاري  و200 مدينة. وكانت تربط القرطاجيين علاقات تجارية برية مع بلاد السودان، وكان الطريق يمر بالعرق الشرقي الكبير في الناحية الشرقية من سوف، فكانت القوافل تنقل السلع الافريقية مثل العاج والزمرد والذهب وريش النعام والعبيد، وكانت هذه القوافل خاضعة لمراقبة قبائل الغرامانت، فيقتطعون منها الضرائب، واتخذ التجار لأنفسهم وكلاء في غدامس، وهذا ما جعلهم يتعاملون مع سوف واستقر بعضهم في أرضها، فسكنوا الجردانية في الشمال الشرقي لسوف، وفي البليدة القديمة قرب سيف المنادي في الجهة الشمالية لسوف على مسافة يومين، وطالت إقامتهم في المنطقة وهم يمارسون الرعي والتجارة.
 
وادي سوف والإستعمار القديم:
الإحتلال الروماني:
جاء في الصروف: "أتى الرومان إلى هذه الأرض( أرض الوادي) منذ دهر طويل لا نعلم أوله، وقاتلوا من فيها وأخرجوهم منها، فتفرقوا في إفريقيا وسكنوا الجردانية والبليدة، وجددوا ما تهدم منها وتعمقوا في أراضيها". وقد عثر على آثارهم في عدة مناطق مثل قمار والرقيبة وغرد الوصيف، كما توجد تحت كثبان الرمال في عميش (الواقعة على بعد 20 كلم جنوب شرق المنطقة) مكان يدعى زملة سندروس(ZemletSendrous) التي يوجد بها آثار الرومان، كما أن بئر رومان (الواقع على بعد 180 كلم جنوب شرق سوف) بني من الحجارة المنحوتة، ومن تسميته يعتقد أنه حفره الرومان لتأمين قوافلهم في طريقها إلى غدامس.
 
ومن أهم الدلائل المادية التي تبرهن على التواجد الروماني بسوف، القطع النقدية التي عثر عليها، احداها بها صورة الامبراطور قسطنطين، وهي تثبت خضوع المنطقة لهم في القرن الرابع، وعثر على كثير من القطع في غرد الوصيف (جنوب غرب الوادي 40 كلم)، كما عثر في قمار على قطع تعود إلى عهد ماسنيسا، وإلى عهد الجمهورية الرومانية (نايرون) وأخرى للعهد النوميدي، يوغرطا ويوبا الثاني وهذا ما يدل على استقرار هذه الشعوب في منطقة وادي سوف.
 
الإحتلال الوندالي للصحراء:
الوندال شعب ينحدر من السلالة الصقلية السلافبة، سكنوا جرمانيا ثم استقروا باسبانيا سنة 409م، ونزلوا بالشمال الافريقي واحتلوا قرطاجنة سنة 439م بقيادة ملكهم "جنسريق"، فقتلوا كثيرا من الرومان، وهدموا  الصوامع والكنائس وأجلوا أصحابها من الرهبان إلى جهة الجنوب. واستقر بعضهم في أرض سوف، في منطقة سحبان الواقعة جنوب غرب الوادي بحوالي 26 كلم وفي جلهمة بين قمار وتغزوت. 
 
كانت سياسة "جنسريق" مع البربر قائمة على ارضائهم والتحكم فيهم بشتى الطرق، ولكن بعد وفاته لم يحسن خلفاؤه معاملة البربر، فأعلنوا الثورة عليهم. يقول المؤرخون أنه لا يستبعد مشاركة اللاجئين بالصحراء في هذه الثورات كرد فعل وانتقاما ممن قهرهم وشردهم. والجدير بالذكر أنه وإن لم يصل الوندال بأنفسهم للمنطقة فإن الفارين والمطرودين واللاجئين كانت سوف خير مستقر لهم.
 
الإحتلال البيزنطي:
 بعد إبادة الوندال واحتلال الأمبراطور البيزنطي "جستنيان" للجهات الشرقية من إفريقيا، أوجب الأمبراطور البيزنطي على السكان الذين كانوا يعتنقون المذهب الأرثوذكسي(كانت المسيحية سائدة في منطقة سوف في تلك الفترة) اعتناق المذهب الكاثوليكي.
جاء في الصروف: "ومن الروم ذهب جماعة من الرهبان إلى جهة الجنوب ومنها أرض سوف فنزلوا عند من سبقوهم من الرومان بجلهمة وسحبان وبنوا أمكنة سواها للعزلة والعبادة والاستيطان"،وقد وجدت العديد من الأديرة بسحبان وجلهمة التي كانت مقر أسقفية. وقد شهدت منطقة سوف انتشار القطع النقدية البرونزية البيزنطية، ولم ينقطع أثرها إلا خلال الحرب العالمية الأولى بسبب تحويلها من طرف الصائغين.
ورغم محاولة البيزنطيين إحكام سيطرتهم على السكان فإن قبائل نوميديا فجرت الثورة ، وقد شارك فرسان سوف في المقاومة الشعبية ضد خط الدفاع البيزنطي الذي كان ممتدا من قفصة إلى تبسة ولامبيز. وقاد الثورات زعماء من البربر الذين أضعفوا الحكم البيزنطي فتهاوى بسهولة وسقط لما قدم الفاتحون المسلمون.
 
العصر الإسلامي في وادي سوف:
وصلت جحافل الفتح الإسلامي إلى إفريقيا في وقت مبكر، حيث وصل عقبة بن نافع (في ولايته الأولى 46هـ) ففتح غدامس، وتوجه نحو اقليم الجريد ففتحه، والمسافة بين الجريد وسوف لا تتجاوز 90 كلم آنذاك، وهذا ما يفيد كما قال صاحب الصروف أن عقبة أو جنوده وصلوا إلى سوف وفتحوا قراها.
 
وفي ولايته الثانية (63هـ) وصلت قواته إلى بلاد الزاب المحاذية لسوف، ولكنه استشهد في تاهودة سنة 64هـ (683م). وقد تعرضت المنطقة الصحراوية كغيرها من الجهات الجنوبية الشرقية إلى الظلم والاضطهاد الذي سلطته الكاهنة على الناس، ولما ولي حسان بن النعمان الغساني، تصدى لقتال الكاهنة، ولكنه تراجع واستقر في برقة مدة خمس سنوات بداية من عام 78هـ، وفي تلك المدة خربت الكاهنة البلاد المجاورة لها ومنها سوف، ظنا منها أن المسلمين قدموا إلى المكان طمعا في المدائن والذهب والفضة. وأعاد حسان  الكرة وحارب الكاهنة وهزم جيوشها ولاحق فلولها إلى منطقة بئر العاتر وقضى عليها، لكنه في المقابل عقد لولديها على 12ألفا من البربر الذين أسلموا وبعث بهم إلى المغرب يجاهدون في سبيل الله وكان ذلك عام 84هـ(703م). وبذلك استحق حسان بن النعمان أن يلقب بالفاتح الحقيقي وناشر الاسلام في تلك الربوع. وكانت سوف يومئذ عامرة بالبربر الذين يعيشون حياة البدو الرحل، وكان العرب من بقايا الفاتحين الأوائل أو المهاجرين من المشرق يمرون بسوف  ويستقرون لبعض الوقت، فيحدث التأثر بين الطرفين في الأخلاق والمعاملات.
وقد مرت وادي سوف بمراحل متنوعة عاشت فيها تحت ظل الدويلات الإسلامية نذكر منها:
 
الدولة الرستمية:
وهي أول دولة قامت للمسلمين بالمغرب الأوسط بعد حركة الفتح الاسلامي (160هـ - 776 م)، وقد امتد نفوذها إلى جنوب بلاد الجريد، وكانت سوف ضمن نفوذها، وتأثرت بسياستها، حيث بدأ انتشار المذهب الاباضي بصفة محدودة، وقد تزامن ذلك مع وجود دولة الأغالبة التي كانت تحيط بها الدولة الرستمية من جميع الجهات.
 
الدولة الأغلبية:
وقد تأسست عام 184هـ (800م)، وكانت رقعتها لا تتجاوز في الربع الأول من القرن 3هـ الشمال التونسي وجزء صغير من الشمال الشرقي الجزائري. وقد نجح الأغالبة في تحطيم الحصار المضروب عليهم وذلك باحتلال المضيق الذي يربط تيهرت بطرابلس، ويمثل منطقة قفصة وبلاد الجريد، وفي عهد هذه الدولة أصاب البربر في سوف ضرر من سلطتها، ففر بعض الروم المسيحيين وأصحاب المذاهب الاسلامية المخالفة للأغالبة إلى الصحراء القبلية، وخاصة أتباع المذهب الشيعي.
 
الدولة الفاطمية:
أسسها عبيد الله المهدي سنة 297هـ (910م) بعد قضائها على الدولة الرستمية والأغلبية، ودانت لها بلاد المغرب كلية، ووقع اختيارهم على قبيلة صنهاجة لتكفيهم أمر زناتة، ولما أحس الخليفة الفاطمي في مصر بعصيان صنهاجة وتمردها على الخلافة الفاطمية، أرسل إليهم الأعراب من بني هلال وسليم. وكانت الصحراء المحاذية لسوف أحد المنافذ التي عبرت منها الحملات الهلالية، ودامت حركة الهجرة الهلالية نحو نصف قرن. وخلال تلك الفترة انتشرت القبائل العربية المهاجرة بمنطقة سوف. كما هاجر إليها كثير من قبائل زناتة وأقروا القرى، ومنها تكسبت القديمة.
 
الدولة الموحدية:
قامت هذه الدولة سنة 524هـ (1130م)، وكانت سوف في الحدود الجنوبية لهذه الدولة، فكثر عدد الوافدين على سوف من قسطيلية(الجريد)، والزاب، وورقلة ووادي ريغ بداية من سنة 530هـ(1136م). وفي سنة 600هـ(1204م) بدأ الانحطاط يدب في كيان الدولة الموحدية، فهاجرت قبيلة "بني عدوان" العربية واستقرت في الجردانية بعد إخراج بربر زناتة منها.
وبعد تفكك الدولة الموحدية إلى ثلاث إمارات متنازعة وهي دولة بني حفص شرقا، وبني مرين غربا، وبني زيان بالمغرب الأوسط، ونتيجة للقلاقل، نشطت حركة الهجرة وأخذت القبائل تتوافد على سوف آتية من تونس ومنها قبيلة "طرود" التي لعبت دورا في الصراع بين الأمراء المتنازعين على الحكم، إلى أن سقطت على يد الأتراك سنة 981هـ (1574م).
 
سوف في العهد العثماني:
خلال العهد العثماني بالجزائر (1518-1830)، كانت العلاقة بين الباي في عاصمته "قسنطينة"، ومناطقه التي تضم وادي سوف، تدار بواسطة "شيخ العرب" الذي يشرف على عملية الضرائب، وفي حالة العصيان يرسل البايلك حملات عسكرية تأديبية لأخذ الضرائب عنوة.
 
كانت منطقة سوف تابعة صوريا لسلطان تقرت "إمارة بني جلاب" فبعض القرى تدفع الضرائب سنوية رمزية، بينما امتنعت قرى أخرى عن دفعها مما دفع سلطان تقرت إلى إرسال حملتين الأولى بقيادة الشيخ أحمد بن عمر بن محمد الجلابي، والثانية بقيادة الشيخ فرحات بن عمر بن محمد الجلابي. ونظرا للصراعات الكثيرة من جهة بين عائلتي بن قانة وبوعكاز على منصب شيخ العرب ومن جهة أخرى بين أسرة بن قانة وبني جلاب على حكم تقرت، كانت قرى سوف في تجاذب بين هذه الصفوف تؤازر طرفا ضد الآخر بحسب الولاء الذي اختارته تلك القرى والمصالح التي تنتظرها قبائلها.
 
وتوالت الحملات إلى وادي سوف من طرف سلطان تقرت، وبايلك قسنطينة الذي يكلف سلطان تقرت بجمع الضرائب، وقد يأتي الباي بنفسه   أحيانا  مثل ما فعل باي قسنطينة "أحمد المملوك"سنة 1821م. وقد جمع أموالا كثيرة، وقد عرفت بعض الأماكن في سوف باسم الأتراك بسبب تمركز قواتهم بها أثناء حملاتهم للمنطقة مثل وادي الترك التي تبعد عن الوادي بنحو 33كلم بالجهة الغربية. ولقد كان الأتراك يظنون أنهم بعد كل حملة يتمكنون من بسط نفوذهم النهائي على وادي ريغ ووادي سوف، إلا أنهم بمجرد رجوعهم يظهر لهم تخلخل ذلك الولاء وتراجعه بسبب:
 
- بعد اقليم سوف عن البايلك، وعدم اهتمام السلطة التركية بتطوير هذه المناطق.
- ارهاق السكان بالضرائب، ومحاربتهم عند رفض تقديمها.
- وجود خلافات، وسيادة الطابع القبلي الذي يفضل التحرر والاستقلالية.
 
وبقيت وادي سوف على استقلالها لا تخضع فعليا لأي حاكم -كما قال الأغواطي في رحلته- إلا في فترات قصيرة عندما تجتاح المنطقة قوات قبائل المخزن لجمع الضرائب. وفي هذا الوقت كانت شؤون سوف منظمة من طرف"الجماعة" التي يتم اختيار أفرادها من الشيوخ الأكثر حضوة ومكانة لدى قبائلهم، فكل قرية كانت تدار من طرف كبير من الوجهاء، وعند بروز قضايا هامة يجتمعون في مدينة الوادي عاصمة الاقليم، يضمهم مجلس الوجهاء الذي يفصل في القضايا السياسية كإعلان الحرب، أو القضائية كالخصومات بين القبائل، وبقيت سوف على هذه الحال إلى دخول القوات الفرنسية للمنطقة.
 
سوف والإحتلال الفرنسي:
في ديسمبر 1854م وصل العقيد الفرنسي"ديفو" بقواته الهائلة إلى وادي سوف مستطلعا الوضع العام، ثم رجع إلى تقرت ليعلن يوم 26 ديسمبر   1854 على أن "علي باي بن فرحات" ممثل فرنسا وقايد على تقرت ووادي ريغ ووادي سوف. وعمل ديفو على مراقبة منطقة وادي سوف، وحاول إضفاء نوع من الاستقرار عليها عن طريق المراسيم والأوامر، وفرض الضرائب وحث السكان على العمل تحت أوامر "علي باي"، إلا أن المنطقة بقيت مجالا للاضطرابات، وبدأت تحركات رجال المقاومة الشعبية وخاصة سي النعيمي ومحمد بو علاق اليعقوبي وبن ناصر بن شهرة ومحمد بن عبد الله، وحينئذ عمل الفرنسيون على تحقيق نوع من الهدوء في المنطقة، فشيدوا عدة أبراج للمراقبة في الجهات الأربعة لسوف لتأمين القوافل والمحافظة على الأمن، ولكن المقاومة ظلت مشتعلة بوادي سوف وما جاورها وامتدت من عين صالح إلى ورقلة وتقرت وسوف وتبسة ونقرين  وبلاد الجريد ونفطة التونسية.
 
قاد هذه المقاومة محمد التومي بوشوشة، الذي استولى على ورقلة في 5 مارس 1871، وعيّن عليها بن ناصر بن شهرة آغا، وكانت ورقلة تابعة لعلي باي، فاتصل جماعة من شعانبة الوادي ببشوشة وأخبروه بأن "علي باي" أودع أمواله وعياله ببلدة قمار، التي هاجمها بوشوشة يوم 8 مارس 1871 فاحتمت عائلة على باي بالزاوية التجانية، وبعد مفاوضات مع أعيان الوادي، رجع بوشوشة وسلمت عائلة "علي باي"، لكن آغويته لم تسلم من سطوة بوشوشة الذي استولى على تقرت في 13 ماي 1871 وعيّن عليها بوشمال بن قوبي آغا، فصارت وادي سوف تابعة لسلطة بوشوشة. 
 
ولما تأكد للفرنسيين عجز "على باي" أعدوا جيشا بقيادة الجنرال "لاكروا فوبوا" الذي أعد خطة استطاع بها انتزاع ورقلة وتقرت من أنصار بوشوشة في جانفي 1872 واتجه نحو سوف فأخضعها للسلطة الفرنسية وعيّن عليها حاكما من جنود الصبايحية يدعى"العربي المملوك".
 
والجدير بالذكر أن وادي سوف ما بين 1837 - 1872 كانت ملجأ آمنا للمقاومين، تدعمهم بالمال والسلاح والرجال، ولما انتهت فترة السبعينات من القرن 19 بتصفية فلول المقاومة الشعبية بالجنوب، بدأ الفرنسيون يهيئون الظروف للاستقرار في الجنوب الجزائري، قريبا من الحدود التونسية التي كانت فرنسا بصدد التخطيط لاحتلالها، وتعتبر سوف أهم موقع يمكن استغلاله لتأمين ظهر الفرنسيين. 
 
وتمكنت فرنسا من فرض الحماية على تونس في 12 ماي 1881 وفي مقابل ذلك كُلف الضابط "ديبورتار" - الذي سبقت له المشاركة في احتلال تونس - بتأسيس أول مكتب عربي بالدبيلة القريبة من الحدود التونسية، فكانت المركز الأول للاستقرار الفرنسيين في سوف. ثم أخذت القوات الفرنسية في التزايد بالدبيلة واستمر إلى سنة 1887، وبعد ذلك بدأ العدد يتناقص لأن الإدارة الفرنسية بدأت الاستقرار بقوة في مدينة الوادي عاصمة الاقليم منذ سنة 1882، ويعتبر النقيب "فورجيس" (1886-1887) ثاني حاكم عسكري لملحقة الوادي، والذي خلف الضابط "جانين".
واستعان الفرنسيون بالقياد وشيوخ القبائل لادارة شؤون السكان، وصارت الوادي ملحقة منذ 1885 تابعة لبسكرة ثم حُولت إلى دائرة تقرت عام 1893، وشهدت الملحقة بعد ذلك تغيرات مستمرة في حكامها العسكريين.
 
وفي عام 1902 حدث تغيير في التقسيم الإداري بالجنوب فأصبحت سوف تابعة لإقليم الصحراء، وطُبق عليها الحكم العسكري الذي ضيق الحريات، إلا أن الوعي الوطني برز جليا في ثنايا الطرق الصوفية وخاصة الشيخ الهاشمي وابنه عبد العزيز الذي تأثر برحلاته إلى الزيتونة والمشرق العربي، وتحول من شيخ للزاوية إلى داعية للأفكار الاصلاحية في صفوف جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وكلفه ذلك النفي والتشريد من طرف السلطات الاستعمارية، ومهد ذلك لبروز الحركة الوطنية الاستقلالية بعد الحرب العالمية الثانية، والتي شرعت في بث الوعي الوطني وتجنيد المناضلين وجمع الأسلحة والتهيئة للثورة التحريرية.
 
جمع السلاح والتحضير للثورة:
بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، بقيت مخلفاتها التي تتمثل في الأسلحة والذخائر ، وقد تسرّب من ليبيا وتونس إلى وادي سوف بعضا منها، فأمر المستعمر أعوانه من شيوخ وقياد بجمعها بأي وسيلة، فجمع بعضها وبقي منها الكثير لدى السكان، ووصل ثمن الواحدة حوالي 1500 فرنك قديم، والعلبة الواحدة من الذخيرة ذات 6 رصاصات 20 فرنك قديم. عندئذ شرع محمد بلحاج الذي أسند إليه النظام السري بالوادي مهمة جمع السلاح عبر الصحراء فبدأ بجمع السلاح من مواطني الداخل وتخبئته، ثم بدأ السفر إلى البلدان المجاورة لجلب ما يمكن جمعه من الأسلحة.
فمن قرية سناول شرق غدامس بليبيا  اشترى محمد بلحاج كمية كبيرة من السلاح ومختلف أنواع الذخيرة، وعند عودته خبأها في غوط نخيل شرق الوادي بقرية الطريفاوي، كما سافر ثانية رفقة الخبير " محمد بن الصادق " وأتى بكمية وافرة من السلاح والذخيرة والنظارات الكاشفةللأبعاد، وفيها وصل سعر البندقية الواحدة أقل من 800 فرنك قديم، حتى أن الحمولة كانت ثقيلة فترك جزءا منها وأخذ عددا أكثر من الابل لجلب الكمية المتبقية. ثم سافر مرة ثالثة رفقة العريف " بوغزالة بشير بن نصر " سنة 1949م وأتى بكمية لا بأس بها من السلاح والذخيرة.
وفي الفترة ما بين 1948م و 1953 م سافر " زواري أحمد الصادق " في أكثر من مرة إلى طرابلس وتونس وأتوا بكميات من السلاح حيث خبأ الكثير منها في غواطين النخيل حيث يقع الغوط الأول في نزلة الطلايبة جنوب شرق الوادي والثاني غوط عدائكة شرق تكسبت شمال الوادي
 
نقل السلاح نحو الشمال:
عند توتر الأوضاع وتفتيش المنازل، توقف " محمد بلحاج " عن السفر لجلب السلاح لفترة استغلها في تحويل السلاح نحو الشمال. وقد كانت هذه العملية صعبة وشاقة، واتخذوا في ذلك عدة وسائل منها ما نُقل بواسطة الإبل، حيث قدم إلى الوادي شخصان من زريبة الوادي ببسكرة يقودان قافلة من الإبل محملة بالشعير ، وبعد بيعه حمّلوا السلاح والذخيرة، وأشرف على قيادة القافلة " محمد بلحاج " مرفوقا بـ "عبد القادر العمودي "  و" بن موسى بشير" ومعهم عريف الطريق، وبعد وصول القافلة إلى زريبة الوادي و زريبة حامد - التي كانت المركز الاستراتيجي في عملية نقل السلاح إلى الأوراس - وبعد صعوبات في الطريق كاد الاستعمار أن يكشفها، وجدوا شخصان في انتظارهم، وكانت كلمة السر بينهم الاستظهار بنصف ورقة نقدية ذات 20 فرنك قديم يقدمها أحدهم للآخر ليقارنها مع النصف الذي بحوزته، وعند التأكد يسلّم السلاح . وقد تم الأمر كما خُطّط له، ورجع المجاهدون إلى الوادي بعد انتهاء مهمتهم بنجاح.
وكما تواصلت عملية ترحيل السلاح والذخيرة على الإبل، نُقل السلاح أيضا بواسطة الشاحنات والحافلات حيث كانت شاحنة نقل الطليان المسافرين الرابطة بين الوادي وبسكرة، وكانت الأسلحة الصغيرة الحجم كالمسدسات والذخيرة توضع في صناديق التمر والشاي وأكياس دقلة نور، أما الصناديق فتُلف في ملاحف وتُغلّف بحصائر ، وبتلك الأسلحة نفّذ المجاهدون في الأوراس أول عملياتهم الفدائية ، وبها فجّروا الثورة التحررية يوم الفاتح من نوفمبر 1954م، بالإضافة إلى " مادة الديناميت " التي يصنع منها القنابل، فكان الشهيد ونيسي الأمين مُكلفا من طرف الحاكم العسكري بالوادي بتوزيع مادة التفجير الفلاحي في " حاسي خليفة " لاستعمالها في إزالة الطبقة الحجرية المتواجدة على سطح الماء عند علف النخيل، وكان ونيسي يُحوّل أكثر من 50% من المادة المذكورة إلى المكلفين بنقل السلاح للشمال ويستخدمها " مصطفى بن بولعيد " في شكل قنابل تقليدية إذ خُصص لها  شاب يُدعى " عنتر " كسب خبرة عالية في حرب الهند الصينية، وهذه المادة استعملها المجاهدون في بداية الثورة لنسف معسكرات العدو وتحطيم طرقاته.
 
معارك وادي سوف:
وبالرغم من أن خصائص المنطقة غير صالحة نظريا لخوض المعارك, إلا أنها لم تتخلف عن الركب و كانت هناك معارك كبيرة و مشهورة مع العدو نذكر منها :
 
معركة حاسي:
- مكان المعركة: شرق حاسي خليفة.
- التاريخ: 17 نوفمبر 1954م وهي أول معركة بالمنطقة.
- عدد المجاهدين المشاركين:  13.
- خسائر المجاهدين: جريح واحد قُبض عليه وهو " شعباني بلقاسم ".
- خسائر العدو : 75 قتيل وكثير من الجرحى، كما استحوذ المجاهدون على عدد معتبر من الأسلحة.
 
معركة صحن الرتم:
- مكان المعركة: صحن الرتم بين الجديدة والمقرن شمالا.
- التاريخ : 15 مارس 1955م.
- عدد المجاهدين المشاركين: 22.
- خسائر المجاهدين: 8 شهداء وجريح واحد هو " محمد لخضر عمارة " وأُسر " المقدم مبروك ".
- خسائر العدو:  ضخمة
 
معركة هود شيكة:
- مكان المعركة: هود شيكة (غيطان نخيل يتكوّن من 200 نخلة وهو ملك لمُعمّر يدعى شيكة) بالجديدة، وقد استعمل فيها العدو الفرنسي الطيران والقومية واللفيف الأجنبي.
- التاريخ : 8 - 9 - 10 أوت 1955م بقيادة الشهيد محمد لخضر عمارة المدعو " حمّ لخضر ".
- عدد المجاهدين المشاركين : 32.
- عدد المجاهدين المجندين في الطريق: 5.
- عدد المجاهدين المجندين في المعركة: 8 من بينهم امرأة تدعى " ارحومة مريم ".
- العدد الاجمالي للمجاهدين : 45.
- خسائر المجاهدين: 31 شهيد ولم ينج من القتل إلاّ واحد هو " قريد عبد المالك " المدعو " الجنة ".
- خسائر العدو : أكثر من 600 قتيل وكثير من الجرحى.
 
معركة الدبيديبي:
- مكان المعركة : الدبيديبي ببلدية العقلة.
- التاريخ : 15 جانفي 1956.
- عدد المجاهدين : 64.
- خسائر المجاهدين: 39 شهيد وبعض الجرحى والأسرى.
- خسائر العدو : ما يزيد على 70 قتيل وجريح وإسقاط طائرة.
 
معركة هود سلطان:
- مكان المعركة : نواحي تاغزوت، وقد استعمل فيها العدو الطيران.
- التاريخ : 16 جانفي 1956.
- عدد المجاهدين : 15.
- خسائر المجاهدين : 8 شهداء.
- خسائر العدو : 120 ما بين قتيل وجريح.
 
معركة مجزرة رمضان 57:
لقد أثمرت جهود القائد الطالب العربي في تنظيم الثورة بسوف، حيث نشط العمل الثوري إلى غاية 1957م، وأصبح للثورة شبكة من الخلايا لجمع المال وإمداد الثورة بالرجال والعتاد تحت إشراف الحاج البشير غربي إمام مسجد ( عَمْرَ ) بحاسي خليفة، وقد لفت هذا النشاط انتباه العدو، وتمكن السفاح " بريدو " وقائد لاصاص " لوكار" من كشف التنظيم المدني الذي  كان يمول منطقة زايف والأوراس بالمؤونة والسلاح والمجاهدين، وشرعوا في الاعتقالات الفردية والجماعية، ومداهمة المنازل طيلة شهر رمضان. وتعرض المجاهدون للتعذيب و الإستنطاق، فأحدث مجزرة  رهيبة تجاوز ضحاياها 140 شهيدا من كل قرى سوف، وذلك يوم الاثنين أول رمضان 1377هـ الموافق لأول أفريل 1957م، وقد أثرت سلبا على العمل الثوري، والجدير بالذكر أنه لم يتم الإشارة لهذه الحادثة في تقارير السلطات الإستعمارية بالمنطقة.
 
شهداء وادي سوف:
كانت وادي سوف كمثيلاتها في كامل القطر الجزائري سباقة إلى العمل الثوري، بداية باحتضانها للحركة الوطنية ومرورها بالتحضير للثورة، فكانت معبرا للسلاح الذي قامت الثورة بواسطته بطرد العدو الغاصب الذي احتل الأرض واستباح العرض وحاول مسخ ثوابتها من دين ولغة، فلم تبخل وقدمت كل ما يمكن تقديمه من جهد وسلاح ورجال. وقد بلغت الحصيلة التقريبية لشهداء الوادي 768 شهيدا نذكر بعض أسماء القادة على سبيل المثال لا الحصر:        
 
اسم الشهيد تاريخ ومكان الولادة استشهد بتاريخ
القائد الجيلاني بن عمر سنة 1926 بالعقلة 20 / 10 / 1955 في معركة الدبيديبي
القائد محمد لخضر عمارة سنة 1930 بجديدة ( الدبيلة ) 10 أوت 1955 في معركة هود شكة
القائد الطالب العربي قمودي سنة 1923 بالوادي 1957
القائد عبد الكريم هالي 1930 بقمار 1957
القائد سعيد عبد الحي 1927 بقمار 1957